أبو الفضل أحمد بن حسين بديع الزمان الهمذاني

47

مقامات بديع الزمان الهمذاني

وداري ربيعة ومضر ، ما هنت ، حيث كنت ، فلا يزرينّ بي عندكم ما ترونه من سملي وأطماري ، فلقد كنّا واللّه من أهل ثم ورمّ « 1 » ، نرغي لدى الصّباح ، ونثغي عند الرّواح « 2 » . وفينا مقامات حسان وجوههم * وأندية ينتابها القول والفعل على مكثريهم رزق من يعتريهم * وعند المقلّين السّماحة والبدل « 3 » ثمّ إنّ الدّهر يا قوم قلب لي من بينهم ظهر المجنّ « 4 » ، فاعتضت بالنّوم السّهر ، وبالإقامة السّفر ، تترامى بي المرامي ، وتتهادى بي الموامي « 5 » ، وقلعتني حوادث الزّمن قلع الصّمغة « 6 » ، فأصبح وأمسي أنقى من الرّاحة وأعرى من صفحة الوليد « 7 » ، وأصبحت فارغ الفناء ، صفر الإناء ، ما لي إلّا كآبة الأسفار ، ومعاقرة السّفار « 8 » ، أعاني الفقر ، وأماني القفر ، فراشي المدر ، ووسادي الحجر « 9 » .

--> ( 1 ) من أهل رم وثم : من أهل الإصلاح ، القليل والكثير . ( 2 ) أي نعطي الراغبة أو الإبل ، كما نعطي الناغبة أو الغنم ، دلالة على الجود . ( 3 ) البيتان لزهير بن أبي سلمى الشاعر الجاهلي الحكيم يفتخر بأبناء قومه ذوي الوجوه الحسان ، وبالأندية التي يؤمها من يقول ويفعل ، وبالكرم الذي يشمل كل من ينزل بهم . ( 4 ) قلب الدهر ظهر المجن : ناصبني العداء وتنكر لي . ( 5 ) تتهادى بي الموامي : تسلمني كل صحراء إلى أختها . ( 6 ) أي لم يبق له من الثراء مسحة ، كالصمغة التي تجتث من الشجرة فلا يبقى لها أثر . ( 7 ) أغدو فقيرا ليس عندي من المال إلا مثل ما في وجه الوليد أو في راحة الكف من الشعر . ( 8 ) السفار : جلدة توضع في أنف البعير وتتصل بمقوده كناية عن ملازمة الأسفار . ( 9 ) أي نيام على الحصى ( المدر ) ويتوسد ( يتخذ مخدة ) الحجر .